عبد الوهاب الشعراني
252
تنبيه المغترين
عدم حب الرياسة ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : عدم حبهم للرياسة في شيء من أمور الدنيا لما فيها من كثرة الآفات ، وقد كان الفضيل بن عياض رحمه اللّه تعالى يقول : ما أحب أحد الرياسة على الناس إلا أحب ذكر عيوب الناس ونقائصهم وكره ذكرهم بخير لتتم له الرياسة عليهم ، وكأن محل ذلك فيمن طلب الرياسة بغير حق أما الطالب باللّه فلا ، وكان يقول : من أحب الرياسة على الناس لم يرتفع أبدا . وكان الإمام الشافعي رضي اللّه عنه يقول : من طلب الرياسة قبل حينها فرت منه ومن تركها تبعته ، وكان يحيى بن الحسين رضي اللّه عنه يقول : سمعت سفيان الثوري يقول : من طلب الرياسة قبل وقتها فاته علم كثير ، وتقدم بسط الكلام على الرياسة في هذا الكتاب فراجعه ، والحمد للّه رب العالمين . السرور بالفقر ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : سرورهم بالفقر وضيق المعيشة وغمهم بالغنى إذا أقبل وهذا الخلق لا يوجد اليوم إلا في بعض أفراد من الفقراء الذين صدقوا في محبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أدركت بحمد اللّه تعالى جماعة من أشياخ مصر كانوا رضي اللّه عنهم ينشرحون للفقر وضيق المعيشة ويكثرون من الحمد والشكر على ذلك ، منهم شيخنا سيدي علي الخواص وسيدي الشيخ محمد بن عنان وسيدي الشيخ محمد المنير والشيخ محمد العدل وغيرهم ، ولهذا الخلق لذة عظيمة أشد من لذة الغنى كما ذقنا ذلك وللّه الحمد ، ولكن لا تحصل تلك اللذة إلا لمن كمل زهده في الدنيا كما تقدم بسطه مرارا . وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رأس الزاهدين وكان يقول : [ اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا ] وفي رواية [ كفافا ] وهو الذي لا يفضل عن غدائهم ولا عشائهم شيء منه ، وفي الحديث [ من أصبح آمنا في سربه - أي نفسه - معافى في جسمه عنده قوت يومه فكأنه حيزت له الدنيا بحذافيرها ] ، وقد قيل مرة لمحمد بن واسع رحمه اللّه ألا تأتي السلطان فتسأله شيئا تأكله فإنا نخاف عليك أن تموت مهزولا ، فقال : لأن ألقى اللّه تعالى مهزولا خير لي من أن ألقاه منافقا سمينا ، وقيل مرة لإبراهيم بن أدهم رحمه اللّه تعالى بم نلت هذه الحكمة التي نراك ننطق بها ؟ فقال : ببدن عار وقلب خائف وبطن جائع ، وفي رواية نلتها بقلة الأكل وقلة النوم وقلة